dostorna

مقترح توافقي لتشكيل الجمعية التأسيسية

لمدة شهر كامل انخرتط في محاولة أقل ما يقال عنها أنها فاشلة لتوفيق القوى و النخب السياسية في مصر و اقناعهم بضرورة التحرك بسرعة في انتخاب سلطات و انهاء الخلافات على الدستور لتفادى خطر الحكم العسكري و التدخل الأجنبي.

في تقديري أغلب القوى السياسية و خصوصا الحزبية و النخب السياسية أثبتت أنها لا تؤمن بالثورة بالمرة و تتعامل مع الحكم العسكري كواقع لا فرار منه و مركزة فقط في تحسين أوضاعها و بعضها يلهث وراء صفقات، و كلها مسيطر عليها جيل عواجيز بيحاول يفضل في الصورة و خايف الشباب يشيله و هو بيشيل النظام.

يعني المهم المقترح ده دلوقتي غالبا ملوش معنى، بنشره هنا عشان أوضح بس أن المشاكل اللي بتصدر لنا على أنها أسباب الخلاف لها حلول سهلة.


مقدمة

أهم ما يقلق من يرفض قيام البرلمان باختيار الجمعية التأسيسية هو عدم ملائمة منطق الأغلبية على عملية صياغة الدستور، و هو قلق في محله، و لكن يمكن حله بسهولة بدون الاحتياج للتخلي عن ترتيبات الفترة الانتقالية المنصوص عليها بالاعلان الدستوري ان توافقت القوى الوطنية على أن تشكل الجمعية التأسيسية بتمثيل نسبي لكل الكتل الحزبية في البرلمان.

الواقع أن صياغة البرلمانات للدساتير أمر دارج و نسبة كبيرة من دساتير أوروبا صاغتها برلمانات لكن دائما ما كانت تعتمد على مبدأ التمثيل النسبي لكل الأحزاب. نظرا لعدم نضج مشاريعنا الحزبية يفضل تفادي المغالبة بوضع حد أقصى للتمثيل في الجمعية التأسيسية للكتلة الواحدة، فان حصل حزب على الأغلبية يحصل فقط على هذا الحد الأقصى. و هكذا يتم اقصاء أي أجزاب متطرفة لم تعرها الجماهير اهتمام و يعطي للناخب فرصة في التأثير على تشكيل الجمعية في حدود لا تدفع بمصالح فصيل واحد على حساب الباقي.

أما ثاني مصدر للقلق فهو احتمال تغليب السلطة التشريعية على باقي السلطات نظرا لتمثيل الجمعية التأسيسية لمصالح البرلمان، نقترح أن تتوافق القوى الوطنية على حصر الكتل الانتخابية في نصف كراسي الجمعية التاسيسية و تعيين النصف الآخر لأعضاء غير حزبيين من خارج البرلمان ممثلين لكافة فئات الشعب بحصص محددة. يمكن تزكية مرشحين من مؤسسات المجتمع المدني و التنظيمات الشعبية المعنية لكن القرار النهائي يكون لأغلبية الثلثين من البرلمان.

أخيرا انفتاح الجمعية التأسيسية على الشعب و مجتمعه المدني في عملها يضمن توازن أكثر في الدستور و عدم اهمال أي تفاصيل قد تفوت الخبراء و البرلمانيين.

نظن أن ذلك الاقتراح كاف لتهدئة مخاوف فريق الدستور أولا و بدون التعارض مع الاعلان الدستوري ولا التقليل من دور نواب الشعب المنتخبين. كل المطلوب هو التوافق على المبدأ و التناقش في تفاصيل المقترح المدرجة أدناه، و التعاهد على أن اصدار قانون متضمن طريقة و معايير اختيار الجمعية التأسيسية و آليات عملها فور انعقاد المجلسين و بأغلبية ثلثي الأعضاء المنتخبين، على أن يقوم المجلس العسكري بالتصديق على القانون و نشره في الجريدة الرسمية.

المقترح بالتفصيل:

أولا الكتل البرلمانية:

يوزع 50 مقعد من مقاعد الجمعية التأسيسية (النصف) على الكتل البرلمانية المختلفة بحسب نسبة تمثيلها في المجلسين، و تكون كل كتلة مسئولة عن اختيار ممثليها من داخل أو خارج البرلمان:

  • يعامل المستقلون ككتلة برلمانية موحدة.
  • توزع المقاعد على الكتل الأصغر أولا (شمولية التمثيل أهم من نسبيته).
  • الحد الأدنى لتمثيل أي كتلة مقعد واحد (أي ان كل الأحزاب ممثلة حتى و ان حصلت على مقعد واحد).
  • الحد الأقصى لتمثيل أي كتلة 20 مقعد (بسبب توزيع المقاعد على الكتل الأصغر أولا قد لا تصل أي كتلة للحد الأقصى).

ثانيا التمثيل الفئوي:

يوزع 50 مقعد من مقاعد الجمعية التأسيسية (النصف) على ممثلين غير حزبيين لكافة فئات المجتمع بحسب الحصص المنصوصة أدناه و بموافقة ثلثي الأعضاء المنتخبين للمجلسين:

  • اربعة مقاعد للمشتغلين بالقانون (أساتذة القانون بالجامعات، المحامين، القضاة)
  • اربعة مقاعد لصناع الرأي العام (اعلاميين، صحفيين، مدونيين، كتاب)
  • خمسة مقاعد للنقابات المهنية (يستثني منها المحامين ان مثلوا في حصة المشتغلين بالقانون)
  • خمسة مقاعد للنقابات العمالية المستقلة (يراعى تمثيل الصيادين و عمال المناجم لخصوصية أوضاعهم)
  • خمسة مقاعد للاتحادات الفلاحين المستقلة
  • اربعة مقاعد للفنانين و المبدعين
  • اربعة مقاعد للعلماء
  • اربعة مقاعد للحقوقيين
  • خمسة لرجال الدين من كل الطوائف
  • اربعة مقاعد للجمعيات الأهلية المعنية بالتمنية أو البيئة
  • اربعة مقاعد للجان الشعبية الثورية
  • مقعدين لذوي الاحتياجات الخاصة

ثالثا التمثيل النسبي:

يراعى أن يخضع التشكيل الكامل (مائة مقعد) للجمعية التأسيسية لتمثيل نسبي لطوائف المجتمع المصري الأساسية بغض النظر عن كون المقاعد موزعة على أي فئة أو كتلة حزبية:  read more »

  • مقعد واحد على الأقل لكل محافظة
  • 25 مقعد على الأقل للنساء (تونس اعتمدت المناصفة، ربما يمكن رفع النسبة)
  • 25 مقعد على الأقل للشباب (تحت الأربعين)
  • 10 مقاعد على الأقل للمسيحيين
  • مقعدان لأهل النوبة
  • مقعدان لبدو سيناء
  • مقعدان لبدو الغرب (مطروح و الواحات)

رابعا قواعد عمل الجمعية التأسيسية:

تعالوا نكتب دستورنا في الميدان

أخبار مبادرة تعالوا نكتب دستورنا

أولا راجع الورقة التعريفية بالمبادرة http://www.manalaa.net/node/88049

التقدم في المبادرة بطيئ بسبب تسارع و تعاقب الاحداث، فبعد أنتهاء أول اجتماع للمتطوعين وجدنا أنفسنا في معركة 28 يونيو مع الأمن المركزي، و شارك بالفعل أغلب المتطوعين في حماية ميدان التحرير و اعتقل من بيننا لؤي نجاتي و حول للمحاكمة العسكرية (أخلى سبيله بعد أيام شاقة لكن لا تزال القضية قائمة).

استمرينا في الاجتماعات بجانب انخراطنا في أعمال التحضير لاعتصام التحرير و متابعة لؤي، و حددت بالفعل مجموعة العمل الميداني خطة لعمل تجربة محدودة، و على أساسها قامت مجموعة البحث بتجهيز نسخة أولية من استمارة الاستبيان و تعليمات للمتطوعين. http://groups.google.com/group/dostorna/browse_thread/thread/85503e1d0b28d40e

بالتوازي بدأت مجموعة التكنولوجيا بالعمل على موقع يسجل به المتطوعين و تجمع فيه اجابات المواطنين. بل و يسمح بالاجابة على الاستبيان مباشرة على الموقع خصوصا مع الاهتمام الواسع من قبل المصريين المقيمين في الخارج.

تمهيدا لاطلاق العمل الميداني تفضل رامي رزق الله مشكورا بعمل فيلم دعائي قصير يشرح الخطوط العريضة للمبادرة. (يمكن مشاهدة الفيلم على http://dostorna.net)

لكن الاعتصام فرض نفسه و انشغل أغلبنا بتفاصيل الحياة اليومية فيه و تعطلت التجربة الأولى.

اجتمعت مجموعة العمل الميداني أمس (الأحد 17 يوليو) و قررنا تعديل الخطة بحيث يبدأ العمل الميداني و أول تجربة لجمع الحلم في ميادين الاعتصامات، و قررنا أن تكون أول تجربة اليوم بميدان التحرير.

سنجتمع بالراغبين في التطوع الساعة 11 مساء عند مدخل جراج عمر مكرم، لشرح المبادرة و آليات العمل و توزيع الاستبيان، بعدها ينطلق المتطوعين في أرجاء الميدان لجمع اجابات المعتصمين حتى الفجر.

في نفس الوقت سيتواجد ممثل للمبادرة بخيمة اللجنة التنسيقية للحقوق و الحريات العمالية (خلف تمثال عمر مكرم) للاجابة عن أسئلة المعتصمين عن المبادرة و تسلم الاستمارات و التواصل مع المتطوعين.

ستكرر التجربة غدا (الثلثاء 19 يوليو) و سيكون اجتماع المتطوعين الساعة 8 مساء في نفس المكان.  read more »

دعوة للاجتماع التأسيسي لمبادرة تعالوا نكتب دستورنا

مبادرة تعالوا نكتب دستورنا

دعوة لحضور الاجتماع التأسيسي للجان الادارية للمبادرة يوم الثلثاء 28 يونيو الساعة 6 مساء في نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت بوسط البلد، القاهرة.

الشعب عمل ثورة عظيمة وأسقط النظام الفاسد وابتدا الحلم :
عيش، حرية، عدالة اجتماعية
عيش، حرية، كرامة انسانية

ودلوقتي إحنا قدام مهمة تشكيل وتكوين مصر اللي بنحلم بيها
تفتكر نسيب الخبراء والمثقفين والسياسيين يحلمولنا وإحنا نفضل ساكتين ؟ ليه هو إحنا منعرفش نحلم ؟

عشان كده كانت مبادرة "تعالوا نكتب دستورنا"، مبادرة شعبية مستقلة، مش معنية بالجدل اللي إحنا فيه اليومين دول ، هي ببساطه جمع الحلم من من الشعب، ومناقشته عشان يطلع منه دستور يناسبنا.

وطبعا إحنا بنأكد على إن الانتخابات هى أفضل وسيلة تعبر عن اللي إحنا عايزينه، لكن الحلم، والتوافق، ووضع الأهداف، حق ومسؤولية الشعب الثائر كله مش بس أعضاء مجلس الشعب المنتخبين واللجنة التأسيسية .

الدستور أهم عقد ما بينا في جمهورية ما بعد الثورة: يرسم الحد الأدنى من الحقوق والحريات، ويكون ملامح العقد الاجتماعي ما بين المواطن والدولة، ويقرر التزامات الدولة - وبالذات فيما يخص العدالة الاجتماعية، و ينظم العلاقة ما بين السلطات، ويضبط توازنها.

اللي بنتصوره هنا، وببساطة هو إننا نحاول نوجد وثيقة شعبية تعبر عن طموحاتنا وأحلامنا المشتركة، تنور الطريق للجمعية التأسيسسة، اللي هتكون مهمتها إنها تحط الدستور وتصيغه.

كتابة الدستور مش عملية مقدسة عشان يختص بيها ناس معينين ولا هي عايزة مواصفات في الشخص اللي بيكتبه غير إنه يعبر عن طموحاتنا ، ومحدش هيعرف يعبر عننا أكتر مننا إحنا ، لا فلان ولا علان ، إحنا وبس . وأظن إنك عشان تقول اللي إنت عايزة مش محتاج واسطة ولا لسان غير لسانك يتكلم عن ظروفك وإحتياجاتك .

ومشاركة الناس في كتابة دستورهم هي القوة اللي بتحميه بعد كده من أي حد أو أي سلطة إنها تخالفه أو تعتدي على اللي ورد فيه من حقوق وإلتزامات وواجبات . وإحنا شفنا قد إيه كان دستور 1971 مليان مواد تحمي الحريات والحقوق بس مع ذلك ممنعتش مع التعذيب لكن اللي يمنع ده توافق الشعب وكتابته للدستور بنفسه.

لو عاوز أو عاوزة تشاركونا حلمنا وتساعدوا فيه عندنا اجتماع يوم الثلاثاء 28 يونيه الساعة 6 مساءاً في نقابة الصحفيين بشارع عبد الخالق ثروت – وسط البلد علشان نقسم نفسنا فى مجموعات اللى بيعرف يسمع أحلام الناس وبيعرف يتواصل معاهم يدخل مجموعة المناقشات والعمل الجماهري واللى ليه فى البحث ينضم لمجموعة البحث واللى بيفهم فى توظيف التكنولوجيا والتقنيات يدخل المجموعة بتاعتهم.

المجموعات دي هترتب و تدير المبادرة، لكن اللي هينزل الشوارع و الحواري و القرى يسأل أهالينا بيحلموا بمصر شكلها ايه هيبقى عشرات الألاف من المتطوعين.

يا ريت اللي مهتم يقرأ الوصف التفصيلي للمبادرة و يشرفنا في الاجتماع و ينضم لصفحة المبادرة و ينشر الرسالة دي في كل حتة.  read more »

مسودة جدول أعمال الاجتماع

ورقة تعريفية بمبادرة تعالوا نكتب دستورنا

تعالوا نكتب دستورنا

ثار الشعب، وسقط النظام، وارتفع سقف الحلم‫:‬
عيش، حرية، عدالة اجتماعية
عيش، حرية، كرامة انسانية

والآن، أمامنا مهمة توصيف وتشكيل مصر التي نحلم بها‫.
‬ هل نترك المهمة للنخب والخبراء؟
هل اجتماع بعض الأحزاب يُعَبِّر حقا عن الوفاق الوطني؟
هل نقاشات الغرف المغلقة بديل لحوار شعبي؟

مبادرة "تعالوا نكتب دستورنا"، مبادرة شعبية مستقلة، ولدت في حضن الثورة، ويشارك فيها مصريون من كافة الخلفيات والاتجاهات. وهي غير معنية بالجدل الدائر حول ترتيبات الفترة الانتقالية، وإنما تعمل على جمع الحلم من منابعه الشعبية، وإدارة نقاشات مع كافة طوائف الشعب عن الأسئلة الدستورية.  read more »

من يكتب الدستور

نشرت في جريدة الشروق بتاريخ 10 يونيو 2011

26 يونيو 1955، كليب تاون، بالقرب من جوهانسبرج: تجمع الآلاف في ساحة أشبه بميادين تحريرنا، وافترشوا الأرض للمشاركة في "مؤتمر الشعب" والتصويت على بنود "ميثاق الحرية"؛ منصة يعتليها ثائر يقرأ مواد الميثاق بلغة شعرية، وميدان عامر حاشد يهدر بهتاف "أفريقيا!أفريقيا!". طوال يومان عاشت كليب تاون أهم تجربة ديمقراطية في التاريخ، قبل أن تقمعها قوات شرطة الفصل العنصري. ولكن الشرطة كعادتها جاءت متأخرة عاجزة عن قمع الحرية، وتم إقرار الميثاق الذي صار دستور حركة التحرر، ليصبح بعدها بأربعة عقود المرجعية الأساسية لصياغة دستور جنوب أفريقيا الحرة.

نحن، شعب جنوب أفريقيا، نعلن للأمة ولسائر شعوب العالم أن:

  • السلطة للشعب
  • لكل طوائف الشعب حقوق متساوية
  • ثروات البلاد ملك للشعب
  • سيتشارك في الأرض من يزرعها
  • الكل متساو أمام القانون
  • للكل حقوق متساوية، وهي المعروفة بحقوق الإنسان
  • سيتوفر العمل والأمان
  • ستفتح أبواب العلم والثقافة
  • سيتوفر المسكن والأمن والراحة
  • سيعم السلام والصداقة

هذه الحريات سنناضل من أجلها، كتفا إلى كتف، طوال حياتنا، إلى أن ننال حريتنا كاملة.

نص الميثاق كاملا

لم تكتب المنصة تلك المواد، لم يتحدث الآلاف في الميدان باسم الشعب من العدم، وإنما سبق المؤتمر شهور من الإعداد، انتشر فيها حوالي خمسين ألف متطوع بطول وعرض البلاد لسؤال كل من قابلوه سؤال بسيط جدا: "ما هي جنوب أفريقيا التي تحلم بها؟". جمع المتطوعون الإجابات وأرسلوها للجان منتخبة من كل منطقة لتفرز الإجابات وتجميع المتشابه منها في عريضة مطالب. ثم رفعت اللجان الفرعية المطالب للجان منتخبة أخرى تمثل المحافظات لتلخيص المطالب ورفعها للجنة صياغة. حضر المؤتمر كل أعضاء اللجان المنتخبة وممثلو النقابات العمالية والأحزاب الثورية والتنظيمات الشعبية الأخرى. شارك الشعب كله في صياغة الميثاق وبالتالي في صياغة الدستور.

بدأت الفكرة أصلا عندما وجد حزب المؤتمر الأفريقي (حزب مانديلا) نفسه في مأزق. فبعد تراجع ملحوظ في المشاركة في النضال ضد سياسة الفصل العنصري، قررت قيادات الحزب الشابة أن توسع رقعة النضال بتبني قضايا اقتصادية واجتماعية، وبدأوا بحملة لإقرار حد أدنى عادل للأجور. ولكن سرعان ما تبين لهم المسافة التي تفصلهم كنشطاء ونخبة سياسية عن جموع الشعب، فقرروا إقامة المؤتمر وصياغة الميثاق لتكون القيادة للجماهير. قرروا إذن أنهم بحاجة لحملة توعية سياسية تكون الجماهير فيها المُعلم بينما يكون الساسة والنشطاء تلاميذ.

وبالفعل غيّر المؤتمر والميثاق الحزب جذريا. أولا، لم يكن بمقدرة حزب واحد تنظيم نشاط بهذا الحجم، فاضطرهم طموح الفكرة إلى التعاون مع كافة الأحزاب والحركات المناهضة للنظام، عابرين حدودا أيديولوجية وعرقية وطبقية ودينية، ومنها ولدت حركة التحرر الوطني كحركة جامعة. ثانيا، على مستوى الأيديولوجيات، حيث حسم المؤتمر جدلا دار داخل الحزب ما بين رؤية أفريقية ترى الحل في تحرر الرجل الأسود كجزء من محاربة الاستعمار في القارة، وبين رؤية ترى الحل في نضال مشترك للمساواة ما بين كل من يعيش في الوطن باختلاف أعراقهم بما فيهم البيض. ثالثا، على مستوى الأولويات، حيث كان المؤتمر أول فرصة حقيقية للنخبة السياسية للتعرف على مشاكل وطموحات الفلاحين.

ومع إقرار الميثاق تغير التاريخ. سقط النظام في عقول الجماهير في ذلك اليوم حتى وإن احتاج لأربعين عام ليسقط فعلا. ووُلد الشعب ككيان موحد بعد أن فرقه الاستعمار والنظام إلى أعراق وقبائل، وُلد بهدف موحد ورؤية تتوارثها الأجيال وتقبل دفع ثمنها بالاستشهاد والتعذيب والاعتقال. حمى الشعب شرعية الميثاق إلى أن سقط النظام وبقى الشعب. وتجسدت شرعية الميدان في دستور بديع مستلهم من ميثاق الحرية، واستمر الشعب في حماية ميثاقه ودستوره.

واليوم في ميدان آخر نتجادل حول صياغة دستور جديد للجمهورية المصرية الثانية، ويسيطر علينا منطق أن من سيصيغ الدستور سينوب بنفسه عن الشعب. وبالتالي انحصر جدلنا في متى يصاغ الدستور وما أفضل طريقة لاختيار من ينوب عن الشعب. وكعادة النخب التي تؤمن أن النيابة مصيرها وحقها، يلتبس الأمر أحيانا ويظن من يسعى أن ينوب أنه وصي على الشعب. والصراحة أن لا فرق هنا ما بين فريق الدستور أولا وفريق البرلمان أولا، وأخشى أنهم اتفقوا على أن دور الجماهير ينتهي عند صندوق الانتخاب.

ويبدو أن التصور الشائع هو أن اجتماع القوى السياسية المختلفة وتوافقها يعني أن الشعب كله مُمثَّل. بينما كل الشواهد تقول أن القوى السياسية في مصر (بما فيهم أكثرها شعبية كالإخوان) منفصلة عن عموم الجماهير. وظهر هذا بوضوح في الميدان، حيث وجدت الأحزاب والحركات السياسية والنشطاء أنفسهم أقلية منعزلة لدرجة ما، حتى وهم يلعبون دورا قياديا أحيانا. هذا الانفصال، إن لم نعترف به، سيؤثر سلبا على عملية صياغة الدستور.

ولنا في تجارب لجان الوفاق عبرة؛ فمشاركة الشعب تؤدي إلى ميثاق ثوري مكتوب بلغة شعرية ينادي بفتح أبواب العلم والثقافة للجميع، بينما لقاء خبراء في غرفة مغلقة نتيجته أن يقترح علينا أحد رموز العدالة إعطاء ثقل أكبر في الانتخابات لأصوات المتعلمين. هل يمكن تصور أن يخرج هذا الاقتراح من وفاق وطني يشارك فيه من لم يكتب له حظ وافر من التعليم؟ هي وصاية إذن لا تمثيل ولا وفاق.

صحيح أن مبارك فصل الدستور البائد على مقاسه، لكن الحقيقة أن الكثير من الانتهاكات والتعديات في ظل نظامه تعارضت مباشرة وبشكل صارخ مع مواد الدستور، فالتعذيب بالتأكيد لم يكن سلوكا دستوريا حتى تحت أحط الدساتير. لم يحمنا الدستور إذن.

بل علينا أن نتساءل: ما قيمة دستور يصاغ بدون مشاركة شعبية حقيقية؟ حتى لو كان دستورا مثاليا، فهو يظل حبرا على ورق ما لم يتوفر توازن قوي يفعّله ويحميه. الميثاق الشعبي صاغه الشعب، وتحول هو والدستور المنبثق عنه إلى عقد اجتماعي حقيقي وجزء من هوية الشعب تتوارثه الأجيال، والشعب حامٍ لشرعيته الثورية والدستورية. بينما أنتج لنا الوفاق حلولا كارثية للخروج من هذا المأزق، مثل تسليط الجيش كحامي لمدنية الدولة، مما يستدعي بالضرورة ألا تخضع مؤسسة "سيادية" ذات قدرات قمعية واسعة وذات تاريخ من الانتهاكات والتدخل في الحكم لأي رقابة من هيئات منتخبة.

لنكن متواضعين؛ مانديلا ورفاقه احتاجوا دروس الجماهير لتوعيتهم سياسيا. لماذا نفترض أننا أفضل منهم؟ لماذا، ما دام اتفقنا أن الدستور أحد أهم أهداف ثورتنا المستمرة، لا نشرك جماهير الثورة في صياغته؟

هل نحتاج أن نمر بتجربة مشابهة لجنوب أفريقيا ونشترك جميعا في نشاط جماعي لرسم مصر التي نحلم بها؟ وماذا سينتج عن انخراط عشرات الآلاف في جمع الحلم من منابعه الشعبية؟ ربما نصل إلى وفاق حقيقي ونستعيد وحدة صفنا، ربما نكتشف أولويات قد غابت عنا؛ فعادة الأحزاب مثلا تجاهُل قضايا البيئة أو الاكتفاء بالإشارة إليها بكلام مرسل، لكن ربما إن انصتنا للصيادين في بحيراتنا وشكواهم من تدمير المصايد بسبب جشع شركات الصيد الدولية اكتشفنا لأي مدى هي قضية ملحة مرتبطة بالعدالة الاجتماعية وبحاجة لحماية دستورية حقيقية. ربما نحتاج أن نعطي لأهل البرلس، الذين ناضلوا طويلا من أجل شربة ماء، فرصة لتوعيتنا بمعنى أن تكون محروما من المياه العذبة وتذكيرنا بمكانة المياه كأحد الحقوق الإنسانية الأساسية.

أما الجدل المحتدم الآن حول من سيصيغ الدستور فيجب أن يتحول من نقاش حول محتوى الدستور إلى نقاش حول كيفية اختيار الجمعية التأسيسية، فالتعديلات الدستورية والإعلان الدستوري لم يحدد تفاصيل. يمكننا الاتفاق مثلا على تمثيل نسبي للنساء والشباب والأقليات الدينية، وتمثيل من كل محافظة، وحصص مخصصة لممثلي النقابات المهنية والعمالية والفلاحية، ومقاعد لنشطاء وحقوقيين ومبدعين الخ. أما الأهم فهو الاتفاق على آليات عمل الجمعية التأسيسية.

علينا أولا التخلي تماما عن فكرة أن صياغة الدستور أمر بسيط يمكن أن يقوم به خبراء في وقت وجيز استنادا إلى دساتير جاهزة. فسؤال واحد من الأسئلة الكبرى المطروحة (رئاسية أم برلمانية مثلا) يستدعي نقاشا مطولا قد يدوم لأسابيع. ومن الضروري أن تكون المداولات علنية وأن تعقد جلسات استماع ليتسنى للمواطنين ومؤسسات المجتمع المدني وتنظيماتنا وحركاتنا المطلبية والسياسية أن تشارك في النقاش.  read more »

Syndicate content