محاولة لبناء اطار نظري لفهم ما تقدمه تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات من فرص و أدوات للتغيير الاجتماعي أو السياسي، الورقة مبنية أساسا على خبرتنا الشخصية من خلال نشاطنا في مجتمع البرمجيات الحرة و عملنا بمجال التنمية بتكنولوجيا المعلومات و أخيرا دورنا كمدونين متفاعلين مع حركات المطالبة بتغيير ديمقراطي و حقوق الانسان في السنوات الماضية.
لماذا أصلا نتحدث عن الانترنت؟ الموضوع في النهاية مرتبط بتقنية و أدوات، هل اجتمع النشطاء من قبل للتحدث عن السيارات و حقوق الانسان؟ من السهل تصور اجتماع للحديث عن المحاكم و حقوق الانسان أو الصحافة و حقوق الانسان. هناك افتراض اذن أن للانترنت خصوصية ما تجعلها جديرة بالمنقاشة ليس كتقنية و انما كأداة و ظاهرة اجتماعية و سياسية.
في المعتاد عند محاولة شرح أهمية الانترنت لنشطاء حقوق الانسان يتم التركيز على الطبيعة الدولية للانترنت و سرعة ارسال البريد الالكتروني و ربما يضيف المتحدث بعض التفاصيل عن امكانية الحصول على نصوص القوانين و المعاهدات أو غيره من مصادر المعلومات التقليدية بتكلفة و جهد بسيط.
في نظرنا ما يميز تلك الشبكة ليس امكانياتها و انما طبيعة تنظيمها، فالانترنت شبكة لا مركزية غير خاضعة لسلطة أي مؤسسة يكاد يتساوى فيها كل المتصلين بالشبكة، الانترنت صممت كفضاء حر يمكن لأي أحد يتصل و يمكن لأي متصل أن يضيف لها مواقع جديدة بل و تطبيقات جديدة (لذا تجد قائمة التطبيقات و الخدمات الدارج استخدامها دائمة التغير).
تعددت التقارير المفزعة عن الرقابة على الانترنت و قمع حرية التعبير على الشبكة حتى يتصور المتابع أن الانترنت ساحة لمعركة ضارية تكاد تنهزم فيها قوى التنوير امام تحالف دولي شيطاني من الحكومات و الشركات و المؤسسات الدينية، هذه الصورة (التي نشارك جميعا كنشطاء في رسمها) و ان كانت مبنية على وقائع حقيقية الا أنها تكاد تنافي الواقع تماما، لا تزال شبكة الانترنت فضاء حرا بشكل مختلف جذريا عن أي فضاء آخر في وعينا المعاصر و أبسط دليل على ذلك هو تحول الشبكة للوسيلة الرئيسية لتبادل المنتجات الثقافية و الترفيهية بشكل غير قانوني، فرغم اجماع كل الاجهزة الأمنية و المحاكم في العالم و رغم تهديد مصالح شركات كبرى لم تهتز كفائة أو شعبية شبكات تبادل الملفات.
لكن الانترنت ليست الشبكة الوحيدة التي قطعت أشواط في التخلي عن المركزية و تمكين مستخدميها من المشاركة في تشكيلها.
شبكات الهاتف عموما مركزية جدا تحت سيطرة الدولة و غير خاضعة للتعديل من قبل مستخدميها نظرا لتعقيد البنية التحتية و طبيعة تصميم التقنية، يبدوا أن تقنية المحمول في طريقها للتحول الى شبكة أقرب الى الانترنت فالبلوتوث مثلا يبدوا لأول وهلة كتقنية محدودة للتواصل في مساحة محدودة جدا (غرفة واحدة) لكنه في نفس الوقت البلوتوث غير خاضع بالمرة لأي رقابة مركزية و يستحيل حتى محاولة التحكم به، يمكن نظريا للسلطات أن تحجب مواقع استضافة تسجيلات التعذيب في أقسام الشرطة، لكنها عاجزة تماما عن التحكم في قدرة المواطنين على تبادل نفس التسجيلات عبر هواتفهم المحمولة.
نفس الشيئ بالنسبة لكاميرات المحمول، تقنية تبدو لأول وهلة تافهة، فالصور منخفضة الجودة و سعة التخزين محدودة و في البداية كان يصعب تصور أي استخدام غير تافه لها، لكن تلك التقنية التافهة تفرض على السلطات أمر واقع و حقائق جديدة على الأرض فرغم أن السينمائيين و الصحافيين مجبرين على استخراج تراخيص أمنية للتصوير في الأماكن العامة لا يفوت يوم الا و يظهر تسجيل لطرفة أو فضيحة أو حادثة أو خبر في الشوارع بل و أقسام الشرطة و يتم تداوله سريعا عبر البلوتوث و الانترنت.
أخيرا تمثل الرسائل القصيرة فرصة فرغم اعتمادها على مركز اتصالات مركزي لكن امكانية الحصول على خطوط جديدة بسهولة و ظهور برمجيات للبث و الاستقبال تتيح للمواطنين فرصة لتحويلها الى شبكة حرة.
استخدم النشطاء في غانا أجهزة حاسب متصلة بتليفون لتجميع و اعادة بث تقارير لحظية قصيرة أثناء مراقبة الانتخابات البرلمانية. و مؤخرا انتشر استخدم خدمة تويتر من قبل النشطاء في مصر لنشر الأخبار بسرعة و تنسيق التعامل مع الأمن في المظاهرات.
لا أظننا بحاجة للكلام عن تأثير الفضائيات فالأمر قتل بحثا، التلفزيون بفضائياته تقنية مغرقة في المركزية و لا تشكل فضاء حرا بالمعنى المشروح أعلاه (حتى في أشد الدول انحيازا لحرية التعبير)، فرغم أنه يمكن تصور دور لقناة مثل الجزيرة في احداث تغيير اجتماعي أو سياسي الا أن هذا الدور ليس خاضع للتأثير المباشر للنشطاء أو لعموم المواطنين. ما يهمنا في التلفزيون ليس شبكاته النظامية و انما شبكاته الغير قانونية، أو ما يسمى بالوصلة. أول تأثير واضح للوصلة هو تخفيف القيود الاقتصادية مما يوفر نظريا على الأقل فرصة للفضائيات الأكثر حرية من القناوات الحكومية لتخطي الحواجز الطبقية.
لكن أهم خاصية في الوصلة في رأينا هي أنها خاضعة للتشكيل و التطوير من قبل مشغليها، انتشر مؤخرا (و خصوصا في الأرياف) نظام للوصلة يعتمد على اعادة البث التلفزيوني، مما يعني وجود محطة تلفزيونية غاية في المحلية (على نطاق عزبة واحدة على الأكثر) و القائمين على تلك المحطة المحلية يمكنهم ان أرادوا بث محتوى لا علاقة له بالفضائيات (تستخدم فعلا في اعادة بث مباريات الكرة في مواعيد لاحقة).
بالفعل استخدمت الشبكات التلفزيونية المحلية في بث دعاية انتخابية أثناء انتخابات مجلس الشورى الأخيرة في مصر.
تلعب الوصلة دورا أساسيا في نشر الانترنت فائق السرعة على قطاع أوسع من الجمهور، تعتمد الوصلة في ما يخص شبكات الحاسب على انشاء شبكات محلية و المشاركة في اشتراك انترنت واحد، و مؤخرا انتشر استخدام شبكات الحاسب اللاسلكية و خصوصا في الأرياف، قدرة مشغلي الوصلة في التعديل و التشكيل و اختراع أنماط جديدة في الاستخدام فيما يخص شبكات الحاسب تفوق قدرة مشغلى وصلات التلفزيون، و بسبب الانترنت يمكن ربط الشبكات المحلية المتعددة ببعض، و الأهم يتساوى مستخدم الوصلة مع مشغلها في قدرتهم على تطويع الشبكة.
الشبكات اللاسلكية دورها في الأساس الوصول للانترنت لكن ما يجعلها جديرة بالاهتمام في ذاتها هو تشابهها مع البلو توث و وصلة التلفزيون فرغم أن دورها الأساسي هو وصلة للتوزيع اشتراك الانترنت الا أنها تحتفظ بامكانيات الشبكات المحلية، و اذا نجحت الدولة في حجب موقع أو منتج ثقافي ما فيكفي أن يحصل فرد واحد فقط من أعضاء الشبكة المحلية عليه حتى يتاح لباقي الشبكة، حيث أن البنية التحتية للشبكة المحلية لا تعتمد على الدولة بالمرة يصعب التحكم فيما يحدث داخل تلك الشبكات المحلية.
لا يحضرنا أي أمثلة على استخدام الشبكات اللاسلكية في محاولات التغيير الاجتماعي أو السياسي و لكننا نذكرها كفرصة لتخطي أي رقابة قد تفرض لاحقا على الانترنت.
رغم اقتناعنا بضرورة النظر الى أخوات الانترنت عندما نبحث عن أدوات و فرص و تقنيات جديدة للمساعدة في احداث تغيير اجتماعي أو سياسي لكن خبرة كاتبي الورقة تنحصر في استخدام الانترنت و بالتحديد تقنيات النشر على الوب.
جزء كبير مما توفره تقنيات الانترنت و أخواتها للنشطاء بديهي و واضح لأي مستخدم للتكنولوجيا، ما يلي محاولة للتركيز على فرص أخرى رصدنا تفاوت في استغلالها ما بين جماعات النشطاء المختلفة.
رغم سعى أي مجموعة من النشطاء الى انشاء موقع وب لها كجزء أساسي من نشاطها و انتشار استخدام المدونات كبديل في حال عدم توفر الخبرة التقنية أو الوقت أو المال اللازم لانشاء موقع كامل، بالاضافة الي استخدام البريد الالكتروني كوسيلة أساسية في الدعوة و الحشد. الا أن أغلب جماعات النشطاء لم تغير من أسلوب عملها لتحقيق أقصى استفادة من تلك المساحات.
فمثلا يتجاهل أغلبنا أن جمهوره على الانترنت يملك نفس القدرة على النشر مما يعني أن هناك فرصة كبيرة للاستفادة من جمهورك في الدعاية.
على الانترنت نسبة من جمهورك تصل اليك بنفسها عن طريق محركات البحث و الروابط غالبا بحثا عن قضية أو موضوع و ليس بالضرورة عن جماعة من النشطاء، على الانترنت لديك فرصة لمد علاقات مع جمهور يصل اليك بالصدفة أو بسبب فضول لحظي.
وجود آليات لاستيعاب ذلك الجمهور ضرورة و أهمها عند الحشد التفكير في أنشطة محدودة و واضحة لتشجيع تحول هذا الجمهور من متلقي الى مشارك.
مشاركة الجمهور ليست اختراع جديد لكن عدا حضور فعاليات المشاركة كانت تستدعي بناء علاقة مباشرة ما بين النشطاء و المشارك، فعلى من يرغب المشاركة أن يحضر اجتماع أو يزور المقر أو على الأقل يتصل بفلان.
لو أخذنا تجربة الرقابة الشعبية على الانتخابات سنجد مشاركة واسعة من جمهور لا يعرف عنه النشطاء أي تفاصيل، ما بين المدونات و شايفينكم و موقع حركة كفاية نشرت دعوة للمشاركة في الرقابة الشعبية مصحوبة بشرح لقواعد عمل اللجان و آليات التزوير الدارجة، الجهد الاعلامي الذي بذل في نشر تلك الدعوات كان هزيل جدا و مع ذلك لاقت نجاح عالي (الجمهور توصل للدعوة ثم شارك في نشرها بنفسه)، و طبعا وفرت الانترنت آلية لتجميع و نشر مشاركات المراقبين الشعبيين.
يتعامل أغلبنا مع الوثائق التي ننشرها على أنها لحظية، فالتقرير مؤثر لفترة بعد اصداره و توزيعه ثم يقل تأثيره تدريجيا الى أن ينسى، في أحسن الأحوال اذا كانت جماعة النشطاء منظمة جدا و تملك مقر مستقر و درجة من الشهرة تظل تقاريرها و وثائقها متاحة للباحثين و المتخصصين في أرشيف أو مكتبة. و بالطبع أي تأثير تراكمي لتتابع التقارير و الوثائق أو لعمل الجماعات المختلفة يستدعي جهد بحثي كبير
بسبب انخفاض تكلفة النشر على وب يمكن للمحتوى المنشور أن يستمر و يظل متاحا، لن تتغير فرص الوصول اليه جذريا بفضل محركات البحث، و كل المطلوب لاعادة التركيز على وثيقة قديمة هو نشر رابط.
محصلة تلك الروابط في حد ذاتها تبني تراكمية للمحتوى، فكل تقرير سنوي يمكنه الربط بالتقارير السابقة، لكن آليات النشر الحديثة على الوب تتيح لنا تراكمية أعمق و بمجهود أقل. مثلا في موقع التعذيب في مصر، تقوم المحررة بتصنيف أي خبر و وسمه بأسماء الضحايا و رجال الشرطة المذكورين في الخبر بالاضافة لمكان وقوع الانتهاك، هذا النظام البسيط يتيح لها (و لكل زوار الموقع) استعراض كل ما نشر عن التعذيب في محافظة أو مدينة ما أو مراجعة تاريخ مركز احتجاز محدد بدون بذل أي مجهود اضافي.
لا يقتصر دور تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات على النشر و التواصل، و انما يمكن أن تستخدم كمساحة للاجتماع و كآلية للتنظيم.
رصدنا مثلا كيف استطاعت جماعة 9 مارس تخطي المشكلات التقليدية المرتبطة بتحديد ميعاد و مكان مناسب للجميع بالاعتماد على المجموعات البريدية كبديل للاجتماعات.
مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس في مصر تفادت مشكلات تحديد الأدوار و توفيق الاراء عن طريق الاعتماد على نظام الويكي لتخطيط و تنظيم فعالياتها، يمكن لأي أحد المشاركة في التخطيط و متابعة كل تفاصيله و تغيير درجة المشاركة و الالتزام بسلاسة.
كما تعتمد مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس على الشبكة في ادارة انتخابات ذات قواعد معقدة و فترة انتخاب طويلة.
في حركة كفاية و على المدونات و المنتديات المختلفة المتفاعلة معها التعليقات على خبر أو مقال تتحول الي جلسة عصف ذهن و تخطيط لفعاليات بدون أصلا ضرورة خبرة عمل مشترك سابقة.
كما ذكرنا سابقا طبيعة الانترنت و أخواتها تقلل من الفروق بين الناشر و المتلقي، توزيع بيان بشكل رقمي يمكن أن يتحول لحوار أو فرصة لمد الشبكة و توسيع العضوية.
قبل الانترنت كان الاستفادة من ما توفره أداة مثل جمع التوقيعات على بيان من فرص لتوسيع الشبكة أمر مجهد و بطيئ، قارن هذا "بعضوية" كفاية المتزايدة بسرعة عالية.
الانترنت تميع أيضا الفروق بين شبكة العلاقات و العضوية، مجموعة مستخدمي الجنو لينوكس مثلا تعتمد تعريف مفتوح جدا للعضوية و أيضا قائمة بالاعضاء القدامى (محددة بدرجة نشاط العضو و مشاركته)، لا تختلف حقوق الأعضاء و الأعضاء القدامى لكن تقدير نصاب الاجتماعات و الانتخابات و تقييم أداء المجموعة يعتمد على الأعضاء القدامى.
يمكننا رصد تجربة مشابهة و ان كانت غير ممنهجة في حركة كفاية و المدونات المتفاعلة معها، فالعضوية تحولت الى فكرة مطاطة معتمدة على مدى استعداد الفرد للمشاركة و المبادرة لكن فضاء الانترنت ساهم في اعطاء المبادرات المختلفة احساس بالوحدة و الترابط و وفر فرصة للمراجعة و التقييم.
رغم انتشار القناعة بأن الانترنت تحتوى على مصادر مهمة للمعلومات و أداة أساسية للباحثين الا أن خبرتنا بحكومات لا تحترم الحق في المعلومات يجعلنا أحيانا نتجاهل مصادر مهمة متاحة.
تشكل وثائق الحكومة الالكترونية و المصادر الاقتصادية الدولية و المصادر الأكاديمية كنز لم نبدأ بعد في الاستفادة منه.
مثلا مبادرة مزلاندو تجمع مضابط جلسات البرلمان الكيني و غيرها من الوثائق المتاحة عبر الوب و يقوم متطوعون باعادة صياغة تلك البيانات في شكل جداول مركزة تصف أداء كل عضو و تعرض تاريخه المهني و السياسي محولة بذلك مجموعة من الوثائق المبهمة الى معلومات مفيدة سهل التعامل معها.
لكن الأهم من متابعة المصادر المختلفة هو الاستفادة من جمهور الوب كمشارك في عملية البحث و التقصي، مثلا لاحظ الصحفي فرناندو رودريجوز بعد كشف عدد من فضائح فساد السياسيين في البرازيل أن الصحافة لا تملك القدرة أو النية لمتابعة كل السياسيين و انما تركز على بعض الوزراء فقط، فقام بنشر كل اقرارات الزمة المالية التي تقدم بها السياسيين المنتخبين و أصحاب المناصب الوزارية ثم اعتمد بعدها على تقارير تصله من جمهور الموقع لتقدير مدى مطابقة تلك الاقرارات للواقع (يقوم الزائر مثلا بالابلاغ عن فيللا أو أرض ملك برلماني مغمور يفوق سعرها مستوى الدخل المذكور في الاقرار).
لا ينحصر فكرة مشاركة الجمهور على شبكة الناشط المباشرة و جماعة المهتمين بالقضية محل البحث، توفر تقنيات الوب الحديثة فرص عجيبة أحيانا، مثلا قام المدون التونسي أستروبال (صدر بعل) بمتابعة رحلات طائرة الرئاسة التونسية معتمدا على مواقع لهواة الطائرات في أوروبا و رصد مجموعة كبيرة من الرحلات التي لم تذكر بشكل اعلامي. مواقع هواة الطائرات تعتمد على مشاركة الزوار في رفع صور لطائرات في مطارات قريبة منهم و مصنفة بنوع الطائرة و شركة الطيران و رقم تسجيل الطائرة و طبعا مرفق بها تفاصيل عن تاريخ الهبوط و الاقلاع، الغرض من تلك المواقع غير سياسي بالمرة و من التقط الصور ربما يجهل أنها طائرة الرئاسة التونسية أصلا.